تقارير

حفاظا على البيئة.. مواطن يسخر إجازاته للتشجير وتوزيع الشتلات

26/01/2022, 15:11:44
المصدر : قناة بلقيس - عبد الله جعفر - خاص

رغم انتقاله المبكِّر من ريف تعز إلى صنعاء لاستكمال دراسته والعمل فيها، لم تحُل إقامة عبدالرحمن طه (38 عاما)، وهو محاسب وناشط بيئي وباحث في التاريخ اليمني، في المدينة بينه وبين الأرض التي يرتبط بها وتوارث حبها، وتعلّم تقنيات زراعتها تقليديا من والده، الذي حرص على غرس حب الأرض فيه بقدر حرصه على دفعه نحو التحصيل العلمي في المجال الاقتصادي.  

وفاءً للأرض، وسيراً على خطى والده، يحرص طه أن يوثّق صلته بأرضه، واهتمامه ببيئته سنوياً، من خلال إجازاته السنوية التي يسخّرها في جلب أنواع جديدة، ومختلفة من الأشجار، ويقضي شهراً كل عام في التشجير، وتوزيع الشتلات في نطاق قريته بمديرية 'الشمايتين' في محافظة تعز، بينما يسعى لتوسيع مبادرته وجهوده الفردية في إطار منظّمة تنموية بيئية تجعل التشجير في سبيل الحفاظ على البيئة هدفها الأساس.

"أرضنا وبيئتنا في خطر ما لم نقم بدورنا جميعا، وبأبسط الإمكانيات بإمكاننا أن نحقق الكثير"، يقول طه.

ويضيف لـ بلقيس: "حتى الجهود الفردية والبسيطة ستكون مجدية لوقف هذا الانهيار الزراعي، والتدهور البيئي المستمر".

الزراعة.. ازدهار الماضي وتدهور الحاضر

على مدى قرونٍ طويلة، ظلّ النشاط الزراعي في اليمن رافداً رئيساً للاقتصاد اليمني، ومصدراً أساسياً للدخل والغذاء لسكان البلاد حتى منتصف القرن الماضي، قبل أنْ يتحوّل كثير من اليمنيين من الأرياف بحثاً عن الوظائف في المدن والدول المجاورة، لتُشكّل موجات الهجرات المتتابعة نحو المدن النَواة الأولى لتدهور القطاع الزراعي، وتقلّص المساحات المزروعة، وتوقف مئات الآلاف من الهكتارات الصالحة للزراعة عن الإنتاج، وتراجع منسوب الاكتفاء الذاتي من الغذاء من 96%، في منتصف القرن الماضي، إلى 25% خلال العقدين الماضيين من القرن الحالي، بحسب المركز الوطني للمعلومات. 

هذا التراجع لم يقتصر تأثيره على الأمن الغذائي في بلد يشهد "أسوأ أزمة إنسانية في العالم"، ويحتاج 16 مليون شخص من سكانه إلى المساعدات العاجلة بحسب تقرير أممي صدر مؤخراً، لكنّ الأثر الذي تتكتّلُ في صناعته عوامل مختلفة يمتدُّ إلى البيئة، في ظل تدهور الأراضي الزراعية، وتَلَف التربة الصالحة للزراعة، وانهيار المدرّجات، وتناقص الغابات، ما يمثل تهديداً خطيراً للنظام البيئي في البلاد، بحسب الخبير الزراعي سلطان الصبري (51 عاما)، ويعمل مستشاراً فنياً للمزارعين في منطقته والمناطق المجاورة. 

-عوامل التدهور

ورغم التحوُّل التدريجي عن القطاع الزراعي، الذي يشغل 50% من إجمالي القوى العاملة حاليا ويوفّر 20% من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي -بحسب تقارير رسمية- وانتقال مزيد من الطاقات البشرية نحو التمدُّن، إلا أنّ العوامل المسببة لتدهور القطاع الزراعي تمتدُّ لتشمل محاور أخرى من الإهمال الحكومي للقطاع، وغياب التنظيم والدعم للمزارعين، وتحوّل جماعي متنامٍ نحو زراعة القات لتحقيق أرباح سريعة وكبيرة بغضّ النظر عن النتائج الكارثية التي يحدثها تنامي زراعة القات من استنزاف للمياه الجوفية، حيث تتطلب كميات كبيرة من المياه، وتستنزف 70% من المياه الجوفية بحسب التقارير، كما تؤدي إلى  إتلاف التربة بسبب المبيدات المستخدمة بكميات كبيرة في زراعتها، بالإضافة إلى التأثير السلبي على الأشجار المختلفة والكائنات الحيّة. 

ويؤكد طه خطورة استمرار التوجّه المتزايد نحو استبدال زراعة المحاصيل المختلفة بالقان:  "أحد أكثر العوامل التي دفعتني للتمسك بهذا الحلم هو الانهيار شبه الكلي، الذي تسبب فيه تزايد مزارع القات، للتربة وعلى البيئة عموما في المنطقة، حيث اندثرت الكثير من الأراضي الزراعية، وانقرض عدد من الأشجار، منها أشجار البلس والسُّقام -تنتج ثماراً شبيهة بالبلس- وكذلك الأراث والقرض والإثاب، وجميعها أشجار وارفة اختفت من المنطقة كلياً بسبب الجفاف، واستنزاف زراعة القات للمياه".

-سبل الاستصلاح.. بين الفرد والدولة

يؤمن طه بالارتباط الوثيق بين ازدهار الحضارات اليمنية القديمة وبين اهتمام اليمني القديم بأرضه وزراعتها واستصلاحها، والتفنن في ابتكار تقنيات الري، وليس انتهاءً بإنشاء المدرّجات الزراعية التي حرص من خلالها اليمنيون على استغلال المناطق الجبلية وكل مساحة مُمكنة للزراعة.

"ما نمنحه للأرض من حُبٍ واهتمام، تعيده إلينا هبات وعطايا مضاعفةً لا تقدّر بثمن"، يقول طه. 

 

وبينما يتفق مع الصبري في أنّ حماية البيئة واستصلاح الأراضي الزراعية تتطلب جهوداً كبيرة تقوم بها الحكومة والمؤسسات المتخصصة، وبدعم من المنظمات الدولية،  يؤكد على مدى أهمية دور الأفراد وتظافر الجهود المجتمعية في ظل غياب الدولة، وانشغال الساسة بالاحتراب.

 يقول: "مثلما يتطلّب الأمر سلطة واعية بالدور المهم للزراعة والتشجير على صعيد حماية البيئة واستصلاح الأراضي حالياً، ليعود ذلك بالأثر الإيجابي اقتصادياً من خلال عودة النشاط إلى القطاع المنهار، والمساهمة في تعزيز الأمن الغذائي".

تجارب ونجاحات

من خلال نشاطه وجهوده الفردية، تمكّن طه من زراعة أنواع مختلفة من أشجار الفواكه والأشجار العِطرية والورود في منطقة كانت المحاصيل فيها تنحصر في حبوب الدخن والذرة الحمراء واللوبياء، بالإضافة إلى فاكهتي المانجا والجوافة.

يشير طه إلى أنه -حتى الآن- تمكّن بنجاح من زراعة فواكه لم تكن موجودة في المنطقة، وبعضها لا يزرع في اليمن من الأساس.

 ويعدد الأصناف التي نجح في زراعتها حتى الآن:  "فاكهة الدنيا، وهي فاكهة نادرة تزرع محليا في صنعاء، وكادت تنقرض، وكذلك القرنبيط (الخروب)، والخرمش (القشطة)، والتين الشوكي الأحمر، والتمر الهندي، والتوت، واللوز البلدي (تحت التجريب)، بالإضافة إلى عددٍ من الأشجار العِطرية والزهور التي نجحنا في إدخالها وزراعتها، وتوزيعها في المنطقة مثل المورينجا (نبتة لثمارها وأوراقها كثير من الفوائد الصحية)، وشجرة الطاؤوس(البونسيانا)،  واللانتانا، والتيكوما، وجميعها أشجار زهرية، تنبت بسهولة، ولا تحتاج إلى الكثير من الماء، والأهم أنها تُسهم في توقف زحف التصحّر".

تقارير

سكان في تعز يتحدثون لبلقيس عن آمالهم بعد رفع الحصار

وإلى جانب الآمال الكبيرة التي يرسمها أبناء تعز لأنفسهم منذ إعلان الهدنة الأممية، يفكّر الشاب شكيب القدسي بالعودة من جديد إلى العمل من خلال باص الأجرة، الذي يمتلكه، وينقل من خلاله المواطنين من مدينة تعز إلى جولة القصر والحوبان.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.