تقارير

عمليات التنظيف تحتاج لـ 20 مليار دولار .. مجلة التايم تكشف عواقب تسرب ناقلة صافر

17/05/2021, 14:58:15

لا أحد يعرف تخزين وتفريغ النفط العائم أكثر أمانا مثل أحمد كليب، كان العام، الذي انضم فيه إلى شركة "هينت أويل" كخبير تحميل في عام 1988، هو العام نفسه الذي قام فيه منتج النفط ومقره "دالاس" بتركيب ناقلة نفط سابقة تم تحويلها للتو إلى سفينة تخزين نفط عائمة وتفريغ، على بُعد بضعة أميال قبالة سواحل اليمن. 

استقبلت السفينة، التي تبلغ سعتها 3.1 مليون برميل، النفط الذي تم ضخه من الحقول الغنية بالنفط والغاز في منطقة مأرب، وتخزينه في البحر قبل تفريغه إلى ناقلات التصدير. 

انتهت اتفاقية مشاركة الإنتاج التي أبرمتها "تكساس" مع الحكومة اليمنية في عام 2005، مما ترك شركة استكشاف الإنتاج أكثر أمانا. 

لسنوات، ارتقى كليب في صفوف العمل بجانب خزان 'صافر' البالغ ارتفاعه 1188 قدما. 

"أنا أعرفها جيدا. أعرفها قطعة قطعة"، قال كليب لمجلة "التايم" من القاهرة حيث يعيش الآن. 

يتحدث عن 'صافر' بحنين أبوي: "لقد كانت سفينة جيّدة جدا في وقت مُعين.  لكن ليس اليوم".

كان كليب المدير العام لشركة "SEPOC"  في 2014، عندما اجتاحت، ملشيا الحوثي شمال اليمن، وأدى ذلك إلى اندلاع حرب أهلية مستمرة حتى يومنا هذا.

غادر كليب البلاد بعد سنوات قليلة، بسبب الفساد والفوضى التي أعقبت ذلك،  سفينة 'صافر' لا تزال في مكانها، مرتبطة بساحل البحر الأحمر اليمني. 

السفينة العملاقة الصدِئة لم تخضع لأي صيانة منذ رحيل "كليب".  

ويضيف أن صمامات صندوق البحر، التي كانت تغذِّي نظام التبريد بها صدأ، ولا يمكن إغلاقها بالكامل،  لم يعد نظام إطفاء حريق السفينة يعمل. 

وتأتي الطاقة فقط من مولّد صغير على سطح السفينة، يوفِّر الإضاءة والحرارة لطاقم "SEPOC". 

في 27 مايو 2020، تسبب انفجار أنبوب بإغراق غرفة المحرّك بمياه البحر.

 وظيفة الإصلاح، التي كان يجب أن تستغرق أربع ساعات في الظروف العادية، انتهى بها الأمر إلى خمسة أيام من العمل المتواصل، وفقا لتقرير حالة الطوارئ، الذي اطلعت عليه "تايم". 

استدعى الأمر فريقا من الغواصين المحليين لإغلاق الفتحات الخارجية لصناديق البحر تحت الماء.

عندها فقط تمكّن طاقم SEPOC، الموجود على متن الطائرة، من إصلاح الأنبوب التالف في غرفة المحرّك شديدة الحرارة.  

يقول كليب إن مهمّة الإصلاح، التي قاموا بها، هي مجرد الاحتفاظ.  

والأكثر خطورة من ذلك هو الأكسجين الذي يمكن أن يتراكم في خزانات النفط الـ34 في "صافر" ويختلط بأبخرة خام متطايرة، بسبب تسرّب الغازات الخاملة من الأختام المتآكلة، كما يقول. 

"أي شرارة، صدقوني، ستنتهي بانفجار كبير في تلك السفينة".

ستكون العواقب غير مفهومة، من المقدر أن تحتوي على 1.14 مليون برميل من النفط الخام (47.9 مليون جالون).

كمية النفط التي يمكن أن تتسرب من ناقلة "صافر" أربعة أضعاف كمية النفط التي تسربت من "إكسون فالديز" في عام 1989. 

وستضيف بعدا آخر من الكارثة إلى اليمن، وهي دولة بالفعل تعيش "أسوأ أزمة إنسانية في العالم"، وسط حرب مستمرة منذ ست سنوات. 

سيعتمد التأثير الدقيق للكارثة على التغيرات الموسمية في أحوال الطقس والبحر، لكن وكالة ACAPS الإنسانية، التي تتخذ من جنيف مقراً لها، وجدت أنه في حالة تسرب نفط "صافر" بين أبريل ويونيو، فسيؤثر ذلك على 31500 صياد و235000 عامل في الصناعات المتعلقة بالصيد، ومن المرجح أن يغلق ميناء الحديدة الحيوي، وهو نقطة الدخول الرئيسية لدولة تتأرجح على المجاعة، لمدة تصل إلى ثلاثة أشهر.

سيكلف التنظيف في مثل هذا التسرّب 20 مليار دولار، وفقا لتوقعات ACAPS، التي صممتها شركة "إدراك المخاطر" (Risk Aware) الاستشارية في المملكة المتحدة على غرار الحكومة البريطانية. 

هذا هو تقريبا نفس الناتج المحلي الإجمالي لليمن في عام 2019.

قد يكون الحريق على متن السفينة أسوأ. يمكن أن يتعرّض ما يصل إلى 5.9 مليون شخص في اليمن ومليون شخص آخر في المملكة العربية السعودية لمستويات عالية جدا من تلوث الهواء، مما يتسبب في إرباك نظام الرّعاية الصحية بالكامل نتيجة لأزمة "كوفيد- 19".  

سيتم تغطية حوالي 500 كيلومتر مربّع من الأراضي الزراعية في اليمن بالسخام، ما قد يتسبب في خسائر المحاصيل لما يقرب من 10 ملايين يمني و 1.5 مليون شخص في المملكة العربية السعودية.

يقول بلال المازودة، محلل المعلومات في ACAPS، عمل على التوقعات: "إذا حدثت هذه السيناريوهات الأسوأ، فستكون أكبر كارثة نفطية من صنع الإنسان تم تسجيلها على الإطلاق، بناءً على تقديرنا".

وعلى الرّغم من تحذير رئيس برنامج الأمم المتحدة للبيئة (إنغر أندرسن)، العام الماضي، من أن "الوقت ينفد" لتجنّب "كارثة إنسانية واقتصادية وبيئية تلوح في الأفق"، فإن هناك محاولات عدة تبذلها فِرق الإنعاش التابعة للأمم المتحدة للتفاوض بشأن الوصول إلى ناقلة النفط (صافر) مع الحوثيين الذين يسيطرون عليها. 

بالنسبة للبعض، فإن الكتلة المتعفنة في "صافر" هي رمز لجمود المجتمع الدولي في مواجهة حرب السنوات الست.  

يقول رافائيل فيشت، رئيس بعثة منظمة "أطباء بلا حدود" في اليمن، عن المفاوضين في محادثات السلام التي توسّطت فيها الأمم المتحدة: "إنهم يحاولون فعل الشيء نفسه مرارا وتكرارا. إنهم غير قادرين على تغيير آليات الوساطة، وليسوا قادرين على التفكير خارج الصندوق، ولا يمكنهم ابتكار شيء جديد - وهذا فقط يطيل أمد الصراع".

من الصعب دق ناقوس الخطر بشأن كارثة لم تحدث بعد. ولكن -كمثال على تكلفة التقاعس عن العمل- يقول إيان رالبي، الخبير المعترف به عالميا في "القانون البحري والأمن لدى شركة "IR Consilium" الاستشارية، "لا تنظر أبعد من بيروت. في أغسطس، انفجر 2750 طنا من نترات الأمونيوم في ميناء المدينة، أسفر عن مقتل أكثرمن 200 شخص، على الرغم من تحذير السلطات اللبنانية مسبقا من المخاطر التي يشكلها المخزون". 

يرى رالبي أن التاريخ يُعيد نفسه على ناقلة النفط (صافر)يضيف "إنها لعبة خطيرة أن تحاول الانتظار".

فالكارثة على ناقلة النفط (صافر) ستجعل الأمور أسوأ. بالفعل، يتم استيراد 90٪ من الغذاء اليمني. 

تدخل حوالي ثلاثة أرباع واردات المواد الغذائية الصلبة إلى البلاد عبر ميناء الحديدة الذي يسيطر عليه الحوثيون. هذا هو الميناء الذي يهدده "صافر" الآن، وكذلك ميناء "الصليف" الأصغر القريب. 

ستشكل إعادة توجيه واردات الوقود والغذاء إلى ميناء عدن الجنوبي تحديات حادة في بلد تعيق حربه الأهلية بشدة بالفعل حركة البضائع، وستؤدي إلى ارتفاع أسعار الغذاء والوقود، وفقا لتوقعات ACAPS.

لكن الصراع في اليمن يساعد أيضا في تفسير سبب عدم بذل الكثير لمعالجة القنبلة الموقوتة على شواطئها.

يحتفظ الحوثيون بالسيطرة على السفينة، وقد أوقفوا مرارا محاولات المجتمع الدولي لمجرد تقييم حالة السفينة، ناهيك عن استخراج النفط منها.

في أغسطس 2019، وصلت الأمم المتحدة إلى حد شراء سفينة إنقاذ، متمركزة على ساحل جيبوتي. في الليلة التي سبقت رحيلها، سحبت سلطات الأمر الواقع (الحوثيون) الإذن.

في تشرين الثاني (نوفمبر) 2020، وافق الحوثيون مرة أخرى على السماح لفريق الأمم المتحدة بالصعود على متن "صافر" لمدة شهر لتقييم حالتها، وإجراء إصلاحات طفيفة.

لكن الزيارة، التي كان من المقرر إجراؤها في فبراير، كان لا بد من تأجيلها إلى أجل غير مسمّى بعد فشل الحوثيين في التوقيع على خطط المهمّة. 

كانت القضية الرئيسية هي قرار الحوثي - الذي تم التراجع عنه لاحقا - "مراجعة" المهمة بأكملها، مما تسبب في تفويت الأمم المتحدة موعدا نهائيا لاستئجار سفينة.

يقول مصدر في الأمم المتحدة مطلّع على المفاوضات، طلب عدم الكشف عن هويته من أجل التحدّث بحُرية: "لقد توقفت المفاوضات بسبب قضايا لوجستية، مثل مكان هبوط السفينة، رغم أن هذه تبدو قريبة من الحل". 

ويضيف المصدر أن "القضايا التي تعيق المهمة الآن لا ينبغي أن تكون مخالفة للصفقات".

 

ولكن حتى قبل توقف المحاولة الأخيرة، كان بعض الخبراء مقتنعين بأن تقييم الأمم المتحدة، الذي طال انتظاره، لن يحدث أبدا. يقول رالبي، خبير القانون البحري، الذي جادل بأن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يجب أن يأذن بعمل عسكري لحل الأزمة: "أعطي بعثة الأمم المتحدة فرصة أقلّ من 1٪ للمضي قدمًا. حتى لو وقّع الحوثيون اتفاقاتهم بالدّم، فإن سجلهم يظهر أنهم سيتراجعون عن هذا الاتفاق قبل حدوث أي شيء".

بالعودة إلى عام 2015، عندما استولى الحوثيون على صنعاء -كما يقول كليب- كانوا متحمسين لمعرفة المزيد عن كيفية تصدير النفط من المنشأة. يقول: "لقد أرادوا الحصول على معلومات حول كيفية بيع البضائع، وكيف ننتج، وأين تذهب الأموال، وبكم نبيعها". 

لم يحدث ذلك أبدا، ويقول كليب: "عمليا، إحياء الصادرات من صافر  اليوم أمر غير وارد تماما. على الرغم من أن الحوثيين وحتى فريق الأمم المتحدة يتحدثون عن الإصلاح والصيانة".

ويستدرك بالقول "لا يمكن أن يحدث هذا أبدا. إنه غير قابل للإصلاح. غرفة المحرّك خارجة بالفعل، ولا يمكن إصلاحها أبدا".

إذا كانت "صافر" تصلح لساحة الخردة فقط، فلماذا يمنع الحوثيون الوصول إليها؟ 

الإجابة الأكثر احتمالا: إنها نقطة نفوذ نادرة لحركة بلا حلفاء تقريبا.

قال وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، لصحيفة "عرب نيوز" السعودية إن الحوثيين "يستخدمون البيئة وسٌبل عيش المئات، إن لم يكن الآلاف من الصيادين، كأداة للمساومة ولابتزاز المجتمع الدولي". 

تعبيرات السعودية عن القلق على الصيادين اليمنيين تبدو جوفاء: عشرات القتلى بهجمات بحريّة للتحالف. ومع ذلك، فإن الولايات المتحدة تقدّم حُجة مماثلة، قال متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية لمجلة "تايم"، في 16 أبريل / نيسان: "استمرار الأعذار والعقبات الحوثية تمنع [فريق الأمم المتحدة] من إنجاز المهمة، من خلال تسييس الناقلة، يخاطر الحوثيون بإلحاق المزيد من الألم بشعب اليمن، وخلق بيئة بيئية ضخمة.. قد تلحق  الضرر بالمنطقة". 

لم يستجب محمد عبدالسلام وأحمد الشامي، وهما مسؤولان حوثيان اتصلت بهما "تايم"، لطلبات مناقشة حالة المفاوضات أو سلامة موظفي SEPOC على متن "صافر". 

علنا، ألقى المسؤولون الحوثيون باللوم على المجتمع الدولي، واتهموا الأمم المتحدة بخدمة مصالح أعداء الحركة.

وكتب محمد علي الحوثي أحد قادة الجماعة على "تويتر": "ثبت للعالم أن شعاراتهم كاذبة، وتحرّكهم لخدمة العدوان الأمريكي والبريطاني والسعودي والإماراتي على الجمهورية اليمنية". 

وفي 4 أبريل قال "نكرر أن الأمم المتحدة ستتحمل المسؤولية الكاملة عن أي تسرب".

المجلس النرويجي للاجئين (NRC) واحد من المنظمات غير الحكومية الدولية القليلة التي تعمل مع مجتمعات الصيد الحِرفي في المنطقة، ساعد في إعادة بناء مواقع إنزال الأسماك والأسواق ومراكز اختبار الأسماك التي تضررت نتيجة الحرب الأهلية في اليمن. ويقدم قروضاً نقدية للصيادين الممنوعين من الوصول إلى مناطق الصيد، ومعدات للمساعدة في إصلاح شباكهم وزوارقهم.

على الرغم من أن تسرب النفط من صافر من شأنه أن يقوّض هذا العمل تماما، إلا أن عمّال الإغاثة يقولون إنها ببساطة مشكلة كبيرة جدا، وسياسية للغاية بالنسبة لهم. "لا أعتقد أن أي شخص في القطاع الإنساني مستعد للتعامل مع كارثة بهذه النسبة"، تقول المتحدثة باسم المجلس النرويجي للاجئين ومقرها اليمن سلطانة بيغوم. 

وتضيف"نحن نعاني من نقص التمويل، نحن مرهقون ونكافح الحرائق باستمرار".

وتوضح أن الدعوات الموجهة إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة للسماح بعمل عسكري هي "أسوأ توصية ممكنة". 

تقول بيغوم: "اليمن لا يحتاج إلى المزيد من العمل العسكري. المفاوضات الجارية حساسة للغاية. شيء من هذا القبيل من شأنه أن يدمّر كل شيء ويجعل من الصعب تقديم المساعدة والحفاظ على سلامة الناس".

بالنسبة لموظفي SEPOC على متن السفينة، لا توجد مساعدة ولا أمان. تم تقليص الوحدة الموجودة على متن السفينة من ذروتها عند 100، عندما كانت السفينة تعمل، إلى طاقم مكوّن من سبعة أو ثمانية. 

يقول كليب إنهم يراقبون على مدار الساعة من قبل سربا من المقاتلين الحوثيين "الذين لا يعرفون شيئا عن الهيدروكربونات. إنهم يعرفون فقط كيفية استخدام الأسلحة".

من حين لآخر، يزور قارب صيد مستأجر السفينة "صافر"، ويُحضر الطعام وقطع الغيار وبراميل الديزل للمولد. 

وفي كل شهر تقريبا، يحصل الطاقم على إجازة على الشاطئ، ويتم استبداله بموظفين آخرين حسب المناوبة.

كتب المهندس المسؤول، ياسر القتابي، في تقرير حالة الطوارئ في مايو 2020، الذي اطلعت عليه "تايم": "الكل يؤكد أن الكارثة وشيكة، ولكن متى سيحدث ذلك بالضبط، الله وحده يعلم ذلك".

المصدر : قناة بلقيس - ترجمة خاصة
منوعات

الإلكترونيات مجهولة المصدر.. فخ المواطنين الشائع في تعز

قد تُبهر بعض الأجهزة الإلكترونية، المنتشرة بشكل ملحوظ في محلات وأسواق مدينة تعز، المواطنين بأشكالها الأنيقة وألوانها البرّاقة وسعرها المناسب، لكن المظاهر -في الأغلب- خدّاعة، وتخفي خلفها العديد من العيوب بما فيها تدنّي مستوى الجودة، وانخفاض مدّة الخدمة، وعدم الكفاءة في العمل، وسرعة التعرّض لأعطال يصعب إصلاحها.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.