تقارير

معركة العبدية بمأرب.. تحولات الصراع ودلالاته

18/10/2021, 09:15:22

قناة بلقيس - عبد السلام قائد

تُلقي التطورات الأخيرة للمعارك في محافظة مأرب بظلالها على مجمل الصراع في اليمن، لكن لا يعني ذلك أنه إذا حسم أحد الأطراف المعركة في مأرب لصالحه أن الحرب ستتوقف في البلاد عموما، وأنه سيتم تثبيت الوضع الراهن بانقساماته وتشوهاته، فالمعركة لن تتوقف إلا بعد القضاء على مليشيا الحوثي واستعادة السيطرة على العاصمة صنعاء وتسوية مختلف الملفات الشائكة في البلاد، وما عدا ذلك ستظل معارك الكر والفر قائمة إلى ما لا نهاية.

وبعد سيطرة الحوثيين على مديرية العبدية بمحافظة مأرب، إثر حصار استمر أكثر من 20 يوما، فإن الخطورة لا تكمن في اعتماد مليشيا الحوثي عنصر الكثافة البشرية لتحقيق مكاسب ميدانية ثمنها جثث آلاف المقاتلين وخسائر لا تحصى في المال والعتاد، ولكن تكمن الخطورة في استمرار الإدارة السيئة والفاشلة للمعركة من قبل السلطة الشرعية والتحالف الداعم لها بقيادة السعودية، واستمرار الخلافات والانقسامات بين مختلف الأطراف التي يفترض وقوفها صفا واحدا ضد الحوثيين.

- العبدية وعواقب الخذلان

لم تكن سيطرة الحوثيين على مديرية العبدية نتيجة معارك متكافئة، وإنما كانت نتيجة لتخاذل السلطة الشرعية والتحالف الداعم لها بقيادة السعودية عن مساندة قبائل العبدية التي صمدت أمام أشرس هجمة حوثية، ولم تنسحب إلا بعد نفاد الذخيرة والغذاء جراء الحصار الذي استمر أكثر من 20 يوما على مرأى ومسمع من الجميع.

كما استخدمت مليشيا الحوثي في حربها على مديرية العبدية أسلحة نوعية تشمل العربات والمدرعات العسكرية والمدفعية والطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، ولم تتورع عن قصف الأحياء السكنية بالصواريخ، وسط حشود بشرية كثيفة تقدمت نحو المديرية من جهات مختلفة وأحكمت الحصار عليها، بينما واجه رجال القبائل مليشيا الحوثي بأسلحة خفيفة وذخائر محدودة.

وبخصوص مزاعم التحالف بقيادة السعودية بتنفيذ عشرات الغارات الجوية على مليشيا الحوثي خلال معركة العبدية، وحتى إذا افترضنا صحة الأرقام المعلنة عن عدد الغارات المنفذة وما خلفته من خسائر في أوساط المليشيا، فإن ذلك غير كاف ما لم يكن هناك إسناد على الأرض، واستمرار تدفق الإمدادات بالسلاح والتغذية والمقاتلين من وحدات الجيش الوطني والمقاومة الشعبية، خصوصا أن مليشيا الحوثي دفعت بأعداد كبيرة من مقاتليها للسيطرة على المديرية يفوق عددهم عدد سكان المديرية الذكور القادرين على حمل السلاح والقتال.

كما أن مسرح العمليات العسكرية الواسع والمتنوع تضاريسيا، مكّن مليشيا الحوثي من تبديد غارات طائرات التحالف وامتصاصها وتقليل الخسائر التي ستنجم عنها، خصوصا أن معظم الغارات عشوائية، ولم تتم وفقا لإحداثيات مرفوعة من الأرض، أيضا فإن التحركات السريعة لمسلحي المليشيا ومعداتها العسكرية على الأرض قللت من تأثير الغارات الجوية للتحالف.

لكن ما يثير التساؤلات أكثر هو غياب الجيش الوطني وعدم مساندته لرجال القبائل في العبدية، رغم أن المعركة ضد الحوثيين على امتداد جبهات محافظة مأرب تعد معركة واحدة، وأي اختراق يحققه الحوثيون في جبهة ما سيؤثر تلقائيا على الجبهات الأخرى، فهل ذلك ناجم عن ضغوط من قِبَل السعودية والإمارات على السلطة الشرعية وقيادة الجيش لأجل تمكين الحوثيين من تحقيق انتصارات في بعض الجبهات، أم أن ثمة انقسامات في أوساط قيادة الجيش وخضوع بعض القادة العسكريين لإملاءات سعودية إماراتية تتم من وراء ستار وبدون معرفة القيادة العليا للجيش؟

وبصرف النصر عن مدى صحة تلك التساؤلات، فسيطرة الحوثيين على مديرية العبدية، وارتكابهم انتهاكات بشعة ضد المدنيين هناك، يتحمل مسؤوليته السلطة الشرعية والتحالف بقيادة السعودية، لانعدام المبررات لخذلان الجميع لمديرية ذات موقع إستراتيجي في ظل استمرار المعارك على امتداد جنوب وغرب محافظة مأرب.

- تحولات الصراع

فشلت مليشيا الحوثي في السيطرة على محافظة مأرب، منذ بدء المعارك هناك قبل ثمانية أشهر، رغم اعتمادها عنصر الكثافة البشرية واستخدام كل ما لديها من أسلحة وإمكانيات عسكرية، وألقت بكل ثقلها للتقدم نحو مأرب، غير مبالية بخسائرها البشرية وكثافة جثث مقاتليها العائدة من جبهات القتال في أسوار المحافظة الغنية بالنفط والغاز، وتمثل "مركز الثقل" لدى السلطة الشرعية، ما يعني أن السيطرة عليها يجرد السلطة الشرعية من أوراق تفاوضية مهمة، ويخلق أمامها متاعب جديدة ستحتم عليها إعادة ترتيب صفوفها والانتقال إلى محافظة أخرى تجعل منها منطلقا لعملياتها العسكرية ضد المليشيا.

غير أن طول مدة الحرب وفشل المليشيا الحوثية في التقدم نحو مركز المحافظة، في حين اكتفت قوات الجيش الوطني بالدفاع وعدم الهجوم، وسط خذلان واضح من قبل التحالف بقيادة السعودية، كل ذلك منح مليشا الحوثي المدة الكافية لمعرفة الجبهات الهشة أو المهمشة المحيطة بالمحافظة، مما يدفعها إلى السرعة في استغلال تلك الثغرات والدفع بحشود بشرية بأعداد كبيرة لتحقيق اختراق جانبي يمكنها من القضم التدريجي لمديريات المحافظة، بصرف النظر عن الكلفة البشرية والمادية لتلك المعارك الشاقة، والثمن المُر والكبير لأجل تحقيق مكاسب ميدانية بعيدة عن مناطق تركز ثروات النفط والغاز.

- دلالات مسار المعارك

ثمة دلالات عدة لمسار المعارك في محافظة مأرب ومحيطها منذ فبراير الماضي، من أهمها أن طريقة إدارة مليشيا الحوثي لمعركتها في مأرب تؤكد أن من يقود تلك المعركة فعليا هو الضابط في الحرس الثوري الإيراني حسن إيرلو، المنتحل صفة "سفير" لدى مليشيا الحوثي، خصوصا أن محاولة الحوثيين المستميتة للسيطرة على مأرب بدأت بعد ظهور إيرلو في صنعاء، وبالتالي فتلك المعركة لها أبعادها الإقليمية لدرجة يمكن وصفها بأنها أهم معركة تخوضها إيران ضد السعودية في خاصرتها الجنوبية، بينما بدت السعودية متخوفة أمام التنمر الإيراني والحوثي، وتجري حوارا مع طهران لتخفيف حدة ذلك التنمر، الذي أظهر السعودية ذليلة وغير مؤهلة لمواجهة إيران ومليشياتها.

كما أن افتقار الجيش الوطني والمقاومة الشعبية لأسلحة نوعية متواجدة لدى مليشيا الحوثي، يعني أن الحصار الحقيقي الذي فرضه التحالف هو على الجيش الوطني والمقاومة الشعبية وليس على الحوثيين، وأن التصريحات السابقة لمتحدثي التحالف بأنه تم تدمير جميع مخازن السلاح التابعة للحوثيين كانت مضللة وغير صحيحة.

يضاف إلى ذلك سوء الإدارة للمعركة من قبل السلطة الشرعية والتحالف بقيادة السعودية، ما يعني أن السعودية والإمارات والكثير من أطراف الصراع لم تتخلص بعد من الأخطاء التي ارتكبتها عام 2014 لحظة سيطرة الحوثيين على محافظة عمران، ثم سيطرتهم على العاصمة صنعاء بتواطؤ وتسهيل من قبل حليفهم السابق علي عبد الله صالح، إذ ما زالت الخلافات والأحقاد والنكايات هي التي تحدد مسار المعركة في البلاد رغم ما اكتنفها من تحولات خطيرة لن يسلم منها الجميع.

وأخيرا، إن سيطرة الحوثيين على مديرية العبدية لا تعني أنهم قد اقتربوا من السيطرة على مدينة مأرب (مركز المحافظة)، فهناك مديريات تتمركز فيها المليشيا منذ عام 2015، وهي أقرب لمدينة مأرب من العبدية، ومع ذلك لم تتمكن المليشيا من التقدم نحو مدينة مأرب انطلاقا منها، وبإمكان الجيش الوطني والتحالف بقيادة السعودية تلافي الأخطاء، وتحريك مختلف الجبهات ضد مليشيا الحوثي، والنتيجة ليس استعادة مديرية العبدية فقط، ولكن التقدم نحو العاصمة صنعاء والسيطرة عليها، أما إذا استمر الخذلان والمؤامرات والنكايات، فإن الجميع سيدفعون الثمن.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.