مقالات
قصة أغنية "نشوان" كما رواها المرشدي والصريمي
تسمعها، فينبعث داخلك صدى عميق لأنات الإنسان اليمني عبر الأزمان؛ صدى رخيم وحزين وشجي، بحجم اليمن كلها. لها وقع النشيد الملحمي ولها نغمة "الملالاة" الشعبية المعبرة عن بشر كثيرين في دائرة الظلم المستدام في تاريخ اليمن.
كتب الشاعر سلطان الصريمي قصيدته الشهيرة "نشوان" في عام 1972، وألقاها عام 1974 على هامش المؤتمر الأول لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين في عدن، ونشرتها مجلة "الحكمة" في العدد الخاص بوقائع المؤتمر؛ وكان ذلك في عهد القاضي عبد الرحمن الإرياني. وقد كانت هذه القصيدة بالنسبة لكاتبها قصيدة عادية مثل غيرها من القصائد، ولكن وقعها اختلف تماماً بعد بثها من إذاعة عدن:
«في وضع سياسي وعسكري متوتر بين شطري اليمن، حين تم بثها في حرب الإخوة الأعداء عام 1979، وتم استخدامها من قبل النظام في الجنوب، وتوظيفها كبيان سياسي موجه ضد النظام في الشمال».
هكذا تحدث كاتبها في مقابلة أجراها معه الصحفي حسن عبد الوارث في العام 1992 بعد قيام الوحدة اليمنية.
بث الأغنية في أثناء حرب 1979 أوجد انطباعاً شعبياً عنها يربطها بالرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي، وأنها قيلت لتوثق حادثة اغتياله، وأن "نشوان" المذكور في كلمات القصيدة هو الابن الأكبر للحمدي (وهو بالفعل يحمل هذا الاسم). لكن قصة القصيدة والأغنية مختلفة تماماً، وإن وافق مضمونها قصة الحمدي، أو تم تأويلها عليه في المخيال الشعبي، في فترة كان حضوره طاغياً في وجدان اليمنيين بعد حادثة اغتياله الآثمة.
"نشوان" في ذكريات المرشدي
سأعرض قصة أغنية "نشوان" كما رواها الفنان محمد مرشد ناجي في كتابه "صفحات من الذكريات"، وكما تحدث عنها كاتبها الشاعر سلطان الصريمي في المقابلة المذكورة آنفاً، ولن أتدخل إلا لربط الفقرات وبيان ما يحتاج إلى التوضيح في سياق القصة.
في العام 1978، كانت العلاقة بين الفنان محمد مرشد ناجي والرئيس سالم ربيع علي ("سالمين") متوترة، بل إن التوتر كان طابع علاقتهما منذ انفراد سالمين بزعامة الجنوب وتطلبه من المرشدي أن يمجّد الجبهة القومية ويمدحه، مثلما فعل فنانون آخرون خضعوا لمناخ التعبئة الأيديولوجية حينها. في تلك اللحظة بالذات، ولدت فكرة البحث عن أغنية سياسية في ذهن المرشدي، ليوصل عبرها رسالته للرئيس سالمين. كان ذلك هو السبب الذي دفعه لالتقاط قصيدة "نشوان" من أحد أعداد مجلة الحكمة، لكن مضمونها وملابسات غنائها وبثها ذهب بها بعيداً في الاتجاه الآخر للسلطة في الشمال.
يروي الفنان محمد مرشد ناجي قصتها في مذكراته قائلاً:
«ومن هذا الموقف المتقلب للرئيس بسبب الوشاة، فكرت في أغنية تعالج قضايا الإنسان اليمني بشكل عام بأسلوب المرمزة الشفافة. وقضية كهذه تتطلب أن يكتبها شاعر يحس بهذه القضية، ورأيت أن ذلك لن يكون حتى ولو اتفقت مع الشاعر أن أنشرها باسمي، ولكن من يضمن له كشف المستور ربما عن طريق نفسه الشعري أو مفرداته؟ فالعقاب وقتها في غاية الخطورة.»
«وذهبت أقلب في المجلات اليمانية، وعثرت على قصيدة (نشوان) لشاعر اسمه سلطان الصريمي في مجلة الحكمة اليمانية، والشاعر الصريمي عرّفني به بعد سنوات الصديق الشاعر القدير القرشي عبد الرحيم. وكانت القصيدة جريئة في تناولها لقضايا الأرض وهموم الإنسان اليماني في المنطقة الشمالية وحسب، وتمجد ما جرى من تحولات اقتصادية ووطنية في المنطقة الجنوبية.
ودققت تلفون الصديق الشاعر القرشي عبد الرحيم وقرأت له الأبيات التي اخترتها من القصيدة لطولها، وقال: خيراً ما اخترت. ثم أطلعته على نيتي في إضافة بيت يهاجم السلطة في المنطقة الجنوبية وأقصد بذلك الرئيس سالمين وزمرته وليس القيادة السياسية التي ما كان لها حول ولا قوة في الحكم، فقال القرشي: افعل ما بدا لك».
إن ذكاء المرشدي وثقافته وحسه الفني الرفيع مكنه من اختيار القصيدة المناسبة، واختبار المهم فيها وترك بقيتها خارج الأغنية. وكان البيت الذي أضافه المرشدي هو:
ولا تصدق عصابة عمنا رشوان …
وعُرِف عن المرشدي هذا النوع من الإضافة التي تكشف عن شخصيته الجامعة بين تميزه كفنان وأناقة لفظه كمثقف ومؤلف، وموقفه الوطني الذي عُرِف به دوماً منذ تصدره الغناء المناهض للاستعمار في خمسينيات القرن الماضي.
فقصيدة سعيد شيباني "بالله عليك يا طير يا رمادي" غناها المرشدي قبل ثورة سبتمبر 1962 بعامين، وبعد قيام الجمهورية تلقى دعوة للغناء في صنعاء بمناسبة الذكرى الأولى للثورة، فأضاف للقصيدة البيت الذي يقول:
افدي أنا السلال بكر ينادي
من الحسن والبدر حرر بلادي
فبدت الأغنية كأنها قيلت بمناسبة قيام الثورة! وقد عاتبه أحمد محمد الشامي (وزير خارجية الملكيين حينها) عندما التقاه في جدة عام 1967، كيف غنى البيت الذي يذكر السلال ولم يحذفه؟ فضحك المرشدي وقال له: "هذا البيت بالذات لم يكن ضمن القصيدة، وأضفته أنا إليها". (ذكر المرشدي هذه القصة في كتابه "الغناء اليمني القديم ومشاهيره").
وأما اختصاره لقصيدة "نشوان" فكان سياسياً، وذكّرني باختصار الفنان علي الآنسي لقصيدة الشاعر عباس المطاع "آنستنا يا عيد"؛ وكان اختصار الآنسي لها فنياً وذوقياً، إذ إنّ المطاع توسّع فيها وأضاف لها هموم المستأجرين والكهرباء والغلاء، وأشياء أخرى لم تكن ملائمة لأغنية عيدية يقول في مطلعها: "وما يهم البال خليه لبعد العيد".
نعود لأغنية "نشوان"؛ فاللحن البديع لم يكن من فراغ، بل بذل فيه المرشدي جهداً لم يعطه لأغنية غيرها، حيث يقول:
«عكفتُ سبع ليال على تلحينها لتقديمها في حفلة أكتوبر الوشيكة عام 1977. وأسلوب الاعتكاف هذا ما عملته من قبل في التلحين، ولذلك تعبت كثيراً لأنه ليس بالأسلوب الأمثل والصحيح».
لكن قدر الأغنية كان أن تُدّخر لمناسبة أخرى بعد منعها في احتفالات أكتوبر 1977. يوضح المرشدي ذلك برواية تفاصيل المنع:
«وحانت حفلات أكتوبر (1977)، وكان أول من عرضتُ عليه قصيدة (نشوان) الصديق المحافظ طه أحمد غانم فقال: (أبو علي، هذا غير معقول؟!). وأثنائء حديثنا أقبل رئيس لجنة الاحتفالات الأستاذ سالم باجميل وكان صديقاً للرئيس سالمين، وسألني بعد أن قرأ مطلع القصيدة: أتريد أن تقدم هذه القصيدة؟! قلت: نعم، وماذا فيها؟ ألستم تحرضوننا على الأغنية السياسية في هذه المرحلة؟ قال: وماذا تعني بالعصابة؟ قلت: لستُ ما أعني أنا، وإنما الشاعر. قال: سأريها "الشيبة" —ويعني الرئيس سالمين والأمين العام عبد الفتاح إسماعيل لمعرفته باللهجة—. ورُفِضت القصيدة، وألغيت مشاركتي في الحفلات».
قصة أغنية "مخلف صعيب" وكيف بُثّت "نشوان" أثناء حرب 1979
بعد التخلص من سالمين، تولى علي ناصر محمد إدارة الحكم في عدن بصورة مؤقتة إلى أن تم انتخاب عبد الفتاح إسماعيل رئيساً للدولة إلى جانب منصبه كأمين عام للتنظيم السياسي (الجبهة القومية)، وبقي علي ناصر محمد في منصبه كرئيس للوزراء. يروي المرشدي لقاءه بالقيادة حينها بقوله:
«ولعلاقتي الجيدة بهما —عبد الفتاح وعلي ناصر—، وأهمها الثقة والتفاهم المشترك وزوال التمجيد الحزبي والشخصي (رأس المشكلة الدائمة في العهدين السابقين) بقرار اتخذه المكتب السياسي في هذا الشأن، تم لي الاستقرار الدائم وأصبح الطريق إلى المطار معبّداً لتلبية الدعوات الفنية من الخارج، وأحسست بعد زمن طويل بالطمأنينة الدائمة، والخير العميم.
دُعيت للقاء الأخ عبد الفتاح إسماعيل في مكتبه فقال: قرأتُ قصيدة (نشوان) وهي رائعة حقاً، ولكن أرى أن يؤديها صوت من الشمال، ولو أديتها أنت ستؤول إلينا. وما أحببتُ التحاور معه في الأخيرة وقلت: أنت ائتني بهذا الصوت وأنا سأدفع له المكافأة الجيدة.
ورداً على استغرابه، قمت بالتفسير لموقف المحترف لفن الغناء، ومراعاته ضرورة تجنب كل ما من شأنه أن يغضب السلطة أو السلطان، لأن رد الفعل سيكلفه أمنه، ورزقه، وكساد فنه؛ ولذلك يلتزم المطرب المحترف بالأعمال الفنية التمجيدية العامة، وهو في موقفه هذا للحق معذور، والاحتراف الفني يفرض عليه ذلك. فقال: الآن فهمت لماذا لم يغن فلان قصيدة لي لأكثر من عامين —يقصد الفنان أيوب طارش—.
وفتح درج مكتبه وأخرج القصيدة وكانت بعنوان (شوصل إليك)، وبعد أن قرأتها قلت: يا أبا صلاح، الرجل معه كل الحق كما فسرنا؛ فالقصيدة مرفوضة لسببين: الأول أنك صاحبها، والثاني المضمون. ولو فكر في تنفيذها على سبيل الافتراض، فمعناه أن يهجر مدينته في المنطقة الشمالية ويرحل إليك. فقال: أنا أفهم هذا لأول مرة. قلت: لا.. أنتم تفهمون، ولا تفهمون. فابتسم وقال: وأنت ما رأيك؟! قلت: إن كانت القصيدة يهمك نشرها فهي مقبولة، وإن كنت سأدخل في صراع مع بعض رفاقك قبل غيرهم. قال: أفهم ذلك وقد تحملت الكثير. قلت: نظم لي رحلة إلى أديس أبابا لمدة أسبوع. ونادى على مدير مكتبه، وأظنه ولدنا العزيز الراحل عبد الواسع قاسم لترتيب الرحلة.
وعدت بالقصيدة مسجلة على الشريط وكتبتُ عليه (تاج النهار) وأعجب بالعنوان، وبعد فترة سجلتها للإذاعة [وهي الأغنية الشهيرة "مخلف صعيب"]. وغنيتها في حفلة سبتمبر في صنعاء بأسلوب الاحتيال بعد أن غادر عبد الفتاح إسماعيل إلى منفاه الاختياري في موسكو، وسمع بذلك فبعث إليّ بالشكر، وأصبحت الأغنية بعد ذلك كغيرها من الممنوعات، وتحملت الصراع مع بعض رفاقه، ومع المنطقة الشمالية».
انتظرت أغنية "نشوان" قيام الحرب بين الشطرين عام 1979 لتجد طريقها أخيراً إلى الإذاعة. يحكي المرشدي وقائع اللقاء مع القيادة حينها كما يلي:
وفي العام 1979م بدأت مناوشات على حدود الشطرين اليمنيَّين، واستمرت في التصاعد إلى درجة خطيرة. ودُعيت في ليلة رمضانية إلى منزل الأخ علي ناصر محمد رئيس الوزراء، وبحضور مجموعة من القيادة السياسية، والشاعر الملحن حسين المحضار، والفنان عبد الرحمن الحداد. قال الحاضرون: سمعنا أن لديك أغنية بعنوان (نشوان) نود سماعها. وقلت: هذه أغنية رُفِضت كلماتها في أكتوبر 1977م من قبل القيادة. قالوا: نسمعها الليلة. وفهمتُ.
وأسمعتهم، فقال العميد علي أحمد ناصر عنتر: يا بن مرشد، هذه الأغنية بمائة خطبة، وغداً تسجلها للإذاعة. ولم يكن هناك أي ملاحظة على القصيدة لأن الحاضرين ما كانوا على علم بأسباب رفض القصيدة في العهد السابق سوى الرئيس سالمين وصحبه وعبد الفتاح إسماعيل.
وتم تسجيل الأغنية على العود عصر يوم الغد. ولم أندهش من ذكاء القيادة السياسية عندما ظلت الإذاعة تذيع إعلاناً بين وقت وآخر من صبيحة اليوم التالي تلفت انتباه المستمعين إلى إذاعة أغنية جديدة بعنوان (نشوان) في الخامسة بعد الظهر، الأمر الذي جعل المواطنين في الساحة اليمنية والجزيرة والاستديوهات في قمة الشوق إلى سماعها. وأظن أن أكثر الناس اهتماماً لسماعها كان الشاعر سلطان الصريمي —الذي لا أعرفه حينها— لحيرته فيما إذا كانت هي قصيدته المغناة أم لغيره بنفس العنوان.
وأذيعت الأغنية في موعدها. وما أستطيع قوله أنها تعرضت إلى تحريم سماعها في المنطقة الشمالية والجزيرة، وغنم أصحاب الاستديوهات مغنماً مادياً كبيراً من ورائها، وصاحبها (15) ديناراً جنوبياً مكافأة من الإذاعة».
اعتقال الصريمي في الحديدة بعد بث الأغنية
في الحديدة، سمع الشاعر سلطان الصريمي الأغنية مثل غيره من مستمعي إذاعة عدن. يقول المرشدي إن الأخبار وصلته بعد أيام أن جهاز الأمن الوطني في الشمال قد اعتقل الشاعر سلطان الصريمي في الحديدة بعد بث أغنية "نشوان" وتم ترحيله فوراً إلى صنعاء.
ويروي الشاعر سلطان الصريمي ما حدث له حينها، في المقابلة الصحفية التي أجراها معه حسن عبد الوارث في أبريل 1992:
«كنت حينها في الحديدة، فطلب مني عدد من الزملاء والأصدقاء مغادرة الشمال، كما أوحى لي البعض بتحذير سياسي ينبهني بضرورة المغادرة. لكن الشيء الذي حال دون الهروب هو وفائي الشخصي لكلمات الأغنية، وبالذات البيت القائل: "أوصيك لا تهرب ولا تمازح"؛ فإذا كنتُ دعوتُ إلى الصمود والثبات ورفض الاستسلام والخوف والخنوع، فكيف أهرب أنا؟!
وكذلك لم أختفِ، وحضّرت نفسي للحظة الاعتقال. ومنذ إذاعة هذه الأغنية، وأنا أذهب يومياً إلى مقر عملي في الحديدة، لكنني وضعت بطاقة هويتي الشخصية لدى أحد أقاربي، خوفاً من أن أفقدها بعد الاعتقال فلا أستطيع استخراج بطاقة أخرى بسهولة
وتم اعتقالي في اليوم السادس من إذاعة الأغنية، يوم 15/10/1978م [ثمة لبس زمني هنا في تاريخ اليوم والسنة المدون في المقابلة؛ فإما أن الاعتقال كان في أكتوبر 1979 بعد حرب الشطرين وبث الأغنية الفعلي، أو أن الاعتقال تم في أكتوبر 1978 على خلفية "حركة 15 أكتوبر" الناصرية في الشمال قبل بث الأغنية، ثم رُبطت القضيتان معاً لاحقاً].
ولكن مبرر الاعتقال لم يكن —بادعائهم آنذاك— بسبب أغنية "نشوان"، بل اتهامي بأنني مشارك في "حركة انقلاب 15 أكتوبر" التي اتُّهِم بها الناصريون حينها!.. وفي المعتقل، عرفت أن السلطات فهمت أخيراً أنني صاحب أغنية "نشوان"، فقد كنت معروفاً حينها باسم "سلطان سعيد حيدر"، ولم يعرفوا أنني سلطان الصريمي الذي يبحثون عنه إلا وأنا في المعتقل.
والممتع أنني وجدت أثناء جلسات التحقيق معي أن لديهم شكوكاً في أن الأغنية ليست لي، وأن "سلطان الصريمي" قد يكون شخصاً آخر غير موجود في الشمال، ورغم ذلك تعرّضت للآلام والمتاعب. ولكن لم يصدر حكم بالإعدام ضدي بسبب هذه الأغنية، رغم أنه كانت تصلني أنباء أو شائعات وأنا في المعتقل تقول بأن أغنية "نشوان" من المرتقب صدور حكم بالإعدام ضد صاحبها.
وفي لحظة، شعرت أن أحد أبيات القصيدة سيضع حداً لحياتي، والبيت هو: "من يوم خلق سيف الحسن وصالح"؛ حيث "تطوع" بعضهم وفسره على أن "صالح" المقصود به هو الرئيس علي عبد الله صالح، وحاول هذا البعض إقناع الرئيس بأن القصيدة "بنت لحظتها" وأنه هو المستهدف. ولكن، لأن القصيدة سبق أن نُشرت في عدد مجلة "الحكمة" آنف الذكر —وفي عهد الإرياني— تراجعت النية في قهري، فقد تأكد لهم بطلان التفسير الزائف للقصيدة ولذلك البيت!»
لماذا نجحت أغنية "نشوان"؟
«الأغنية الناجحة، ببساطة، هي التي تحمل التعبير الفني للكلمة وطنياً أو عاطفياً، والأمثلة في ذلك كثيرة»
هكذا يبدأ المرشدي تفسيره للنجاح الكاسح الذي قوبلت به أغنية "نشوان" في جنوب اليمن وشماله وفي الجزيرة العربية كلها، ويضيف قائلاً:
«وأود هنا أن أضيف إلى ما قلته عن أغنية (نشوان) إن الصدق الفني في عناصرها الثلاثة أعطاها الانتشار الواسع ليس في اليمن وحسب، وإنما في الجزيرة وعموم الخليج العربي، والمنظمات الوطنية العربية، على الرغم من لهجتها الكلامية لمنطقة المعافر اليمنية، وما تحمله في طياتها من مفردات مرمزة قد يصعب فهمها على البعض من أهل المنطقة نفسها.
وأقول هذا الكلام مضطراً لمن أتعبوا الشعر والغناء في البحث عن التمجيد الأجوف للإنجازات العادية التي هي من صميم واجبات الدولة، أو الفردية القيادية، وأتعبوهما على الوجه الآخر في كتابة الملاحم الصغيرة، والأوبريتات غير الدقيقة فنياً تحت دعاوى الأعمال الثورية والسياسية والوطنية، وصرفوا في سبيل ذلك مئات الآلاف من الدنانير والريالات؛ والناتج أن المواطن اليمني المقصود بكل هذه الأعمال —دعك عن غيره— لم يحس بها إطلاقاً لتجردها من الصدق في حياته السياسية والاجتماعية، وبالتالي يأتي الخلق الفني باهتاً ولا يمتزج مع الوجدان».
ولم يكن هذا الامتزاج بالوجدان مقتصرا على الداخل اليمني فحسب، بل إن الصدق الفني العابر للحدود جعل من 'نشوان' أغنية يتردد صداها في أرجاء الجزيرة العربية والخليج، متجاوزة مفرداتها وخصوصية لهجتها التعزية.
يروي المرشدي بكثير من الدهشة والاعتزاز أثر هذه الأغنية في الخليج بعد أعوام من بثها، يقول في مذكراته:
«وفي دعوات فنية لكل من الكويت، وأبوظبي، وقطر بعد أعوام من إذاعة أغنية (نشوان)، كم دهشت ساعة دخولي مسارح هذه الدول من مطالبة الجماهير بأغنية (نشوان) وإصرارهم على تقديمها قبل أي شيء آخر، رغم قدمها، ولكم دهشت أكثر بمطالبة جمهور الشيوخ - بالأغنية - في (أبوظبي) واعتذرت عن تقديمها. وفي وقت لاحق حضرت جلسة سمر اقتصرت على بعض الشيوخ الشباب في مدينة (العين)، وسألني أحدهم عن سبب امتناعي عن تقديم أغنية (نشوان) في حفل (أبوظبي)؟! وقلت جرياً على عادتهم في التخاطب: طال عمرك، هذه أغنية سياسية تعالج قضايا الإنسان في اليمن. وقال بلهجته بما معناه: لماذا وضعتها في هذا الإطار؟! وفي رأينا تعالج قضايا الإنسان في كل مكان. وتساءلت: وكيف تأتى لكم فهم كلماتها وتعابيرها اليمانية البحتة؟! قال: أنسيت (أبو ناجي) أن اليمانيين من حولنا، وهم أمامك الآن. قلت: هذي راحت عليّ، طال عمرك. فهل يصدقني القارئ في إمكان هذا الحوار؟!»
وأما اعتقال الصريمي، فقد رآه المرشدي مؤشراً واضحاً على خطورة الأغنية الناجحة والتأثير الفعال الذي تحدثه في الجماهير. ويعود في هذا الجانب إلى رأي الباحث العربي المعروف فاروق خورشيد حول الأغنية الناجحة، إذ أورد وصفه لها بأنها:
خطير هام، لأنها تحمل كل ما في الحياة من صراع، وأحداث، وآمال، إلى القلب رأساً على أجنحة من نغم، ومهاد من موسيقى فيمتزج مع الوجدان».
وعن هذا التأثير الخطير يختم المرشدي حديثه قائلاً:
«وقصيدة الشاعر سلطان الصريمي (نشوان) عندما نُشِرت في مجلة "الحكمة اليمانية" في عهد الرئيس الإرياني، لم تنزعج منها الدوائر الحكومية المختصة في المنطقة الشمالية لسبب بسيط جداً هو أنها كانت خارج دائرة التأثير والفعل الجماهيري. ولكن عندما طارت على أجنحة من نغم، ودخلت ضمن مكونات الذوق والإحساس الشعبي في الساحة اليمنية، وسفرها إلى الجزيرة والخليج بسبب الإعلان الإعلامي كما قُدّمت طوال ذلك اليوم، هنا أحست الجهات المختصة بالخطورة، وأعماها الغضب فلم تتفحص مضمون القصيدة ولا زمن كتابتها، وداهمت الشاعر في مأمنه وهو لا يعلم من الأمر شيئاً.
وهناك تجارب عديدة سبقت في هذا المضمار تبين خطورة الأغنية الناجحة، التقطتُ منها تجربتين في عهد الإدارة البريطانية: الأولى مع لطفي أمان في قصيدته (سأنتقم)، والثانية مع محمد سعيد جرادة في قصيدته (ابن الجنوب). والقصيدتان عندما نُشِرتا في الجرائد المحلية لم ينزعج الإعلام البريطاني منهما، ولكن عندما غُنّيتا حصل ما حصل في حدود القانون المقبول.
وثمة شيء يحيرني لدى الإعلام الحكومي في اليمن على مدى ثلاثين عاماً؛ أنه لا يحس بأهمية الأغنية إلا عند حاجته الشديدة إليها، أو لمقاصد دعائية لحكومته، أو عندما تلدغه الأغنية لدغة ثعبانية فيهرع إلى الرقية والجراحة والمضادات الحيوية، ثم ينبري بهستيريا إلى صانعي الأغنية لمعاقبتهم بالأساليب المناسبة، ولكنه في الحالات العادية لا يلتفت إليها ولا يعيرها أدنى اهتمام.. وهي حالة تنفرد بها اليمن دون سائر الأمم. شيء مؤسف!!».
ما يمكن إضافته ؟
ليس لدي ما أضيفه هنا؛ فقد التزمت في كتابة المقال بالتركيز على ما تحدث به الفنان محمد مرشد ناجي في مذكراته، وما أشار إليه كاتب كلمات الأغنية الشاعر سلطان الصريمي في المقابلة المذكورة. واخترت التواري، وترك المنصة للأبطال الحقيقيين للقصة ليقولوا كلمتهم دون حشو أو استعراض أسلوبي قد يشتت القارئ عن جوهر الحقيقة التاريخية لأغنية غدت جزءاً من وجدان الناس، وجزءاً من إرث الأغنية اليمنية المعاصرة. كنت في هذا المقال مخرجاً، يحاول ترتيب المشاهد، والربط بين زمنين وروايتين، وأن يسلط الضوء على الزوايا المعتمة إن وُجدت.
ثم ماذا بعد؟
لقد غادرت القيادات السياسية كراسيها وطُوِيت أعمارها عدا استثناءات قليلة، ورحل المرشدي والصريمي، لكن 'نشوان' بقيت عصية على النسيان؛ لا لأنها واكبت حرباً عابرة بين شطري اليمن، بل لأنها استقرت في وجدان جمهور واسع، وشعبٍ رأى في نغماتها الشجية مرآة لأوجاعه الممتدة، وأملاً متجدداً في الانعتاق من دائرة 'زرع الحنش' المستدامة.
بقي أن أقول إنني مغرم بالمرشدي؛ بفنه وجُلّ أغانيه، وصدقه ونزاهته في مذكراته، وثقافته الواسعة التي تتجلى ذروتها في كتاباته عن الغناء اليمني، وتحديداً كتابه 'الغناء اليمني القديم ومشاهيره'.
في لحظات الصراع المحمومة وحروب الإخوة الأعداء، حين انجرف الكثيرون، تميز المرشدي بقدرة إبداعية فريدة على الفصل والتعالي فوق الاستقطاب الحاد، ليكسو أغانيه السياسية والوطنية بنَفَس إنساني حكيم ونغم شجي عابر للزمن. لهذا، لم تكن 'نشوان' أغنية عابرة واكبت حرباً عابرة عام 1979 لتنطفئ بعدها ويُلقى بها في هوة النسيان. على العكس من كل الغناء في أوقات الحروب، تخلدت هذه الأغنية وما تزال في كامل ألقها اليوم؛ استقرت في مرتبة عليا للفن الجميل أولاً، بعيداً عن أي أسباب أخرى أخرجتها عن كونها تعبيراً عن الإنسان اليمني، ومرآة لأوجاعه وآماله في الانعتاق.
الصدق الفني والغناء الأصيل هما من مَنَحَا 'نشوان' القدرة على تجاوز زمنها ومناسبتها وكل ما أحيط بها من تفاصيل وأحداث. لقد بقيت كعلامة على الإجادة والإبداع، وكفى."